إدارة الشئون الفنية
 الحَجُّ مَقَاصِدُ وَمَوَاعِظُ

الحَجُّ مَقَاصِدُ وَمَوَاعِظُ

20 مايو 2026

خطبة الجمعة المذاعة والوزعة

بتاريخ5 من ذي الحجة 1447هـ الموافق 22/5/ 2026م

الحَجُّ مَقَاصِدُ وَمَوَاعِظُ

إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ١٠٢ ]، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71] .

أَمَّا بَعْدُ:فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: لَقَدْ شَرَعَ اللهُ الحَجَّ لِمَقَاصِدَ عَظِيمَةٍ وَغَايَاتٍ نَبِيلَةٍ؛ فَمِنْ ذَلِكَ: إِقَامَةُ التَّوْحِيدِ، وَتَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِذْ يَخْلَعُ العَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ عَلَائِقَ الدُّنْيَا، وَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مُجَرَّدًا مِنْ زَخَارِفِهَا، مُقْبِلًا عَلَيْهِ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ، وَنَفْسٍ مُنْكَسِرَةٍ مُنِيبَةٍ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ بَعْدَهَا: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30]

وَمِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الْحَجِّ: تَأْلِيفُ القُلُوبِ وَجَمْعُ الكَلِمَةِ؛ فَالحَجُّ مَيْدَانُ اجْتِمَاعٍ، وَمَوْسِمُ أُلْفَةٍ، لَا مَوْطِنُ نِزَاعٍ وَخُصُومَةٍ، فَمَا فَقِهَ الحَجَّ مَنْ أَسَاءَ إِلَى الحُجَّاجِ، أَوْ قَابَلَهُمْ بِالدَّفْعِ وَالغِلْظَةِ وَالسِّبَابِ، فَإِنَّمَا يُنَاقِضُ بِذَلِكَ رُوحَ النُّسُكِ وَحَقِيقَتَهُ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: وَمِنْ مَقَاصِدِ الحَجِّ الجَلِيلَةِ: إِذَابَةُ الفَوَارِقِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ فَلَا دَعْوَةَ فِيهِ إِلَى قَوْمِيَّةٍ أَوْ عَصَبِيَّةٍ، وَلَا إِلَى جِنْسٍ أَوْ وَطَنِيَّةٍ، بَلْ تَذُوبُ فِيهِ كُلُّ هَذِهِ الفَوَارِقِ تَحْتَ رَايَةِ العُبُودِيَّةِ، فَتَتَقَارَبُ الأَبْدَانُ، وَتَتَآلَفُ الأَرْوَاحُ، وَيَجْتَمِعُ المُخْتَلِفُونَ مِنْ شَتَّى البِلَادِ وَالأَجْنَاسِ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، بِلِبَاسٍ وَاحِدٍ، وَنِدَاءٍ وَاحِدٍ، فَفِي الحَجِّ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الأُخُوَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ عَلَى الحَقِيقَةِ لَا عَلَى الدَّعَاوَى؛ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ  فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى؛ أَبَلَّغْتُ؟» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]. فَكَيْفَ يَدَّعِي رَجُلٌ صِلَتَهُ بِإِخْوَانِهِ، وَهُوَ يَطُوفُ بَيْنَهُمْ بِقَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، وَنَفْسٍ مُتَرَفِّعَةٍ، يَأْنَفُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَيَنْأَى عَنِ الفُقَرَاءِ، وَفِي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِمَقْصِدٍ عَظِيمٍ مِنْ مَقَاصِدِ الحَجِّ: وَهُوَ كَسْرُ حُظُوظِ النَّفْسِ، وَإِقَامَةُ مِيزَانِ العَدْلِ بَيْنَ الخَلْقِ.

أَيُّهَا المُبَارَكُونَ: إِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الحَجِّ: التِقَاءَ ذِكْرَيَاتِ العَقِيدَةِ البَعِيدَةِ بِالقَرِيبَةِ، وَاتِّصَالَ الحَاضِرِ بِرَكَائِزِ الحَنِيفِيَّةِ الإِبْرَاهِيمِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَاسْتِنْطَاقَ التَّارِيخِ الشَّاهِدِ عَلَى الصِّدْقِ وَالإِخْلَاصِ وَالعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالوَلَاءِ وَالفِدَاءِ، فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ u، يَتْرُكُ السَّيِّدَةَ هَاجَرَ وَوَلَدَهُ فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَتَسْأَلُهُ هَاجَرُ عَلَيْهَا السَّلَامُ: آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَتَقُولُ فِي يَقِينٍ رَاسِخٍ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعَنَا، فَكَانَ فِي قِصَّتِهِمَا أَسْمَى مَعَانِي التَّسْلِيمِ وَالثِّقَةِ بِاللهِ، وَكَمَالُ التَّآلُفِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَحِينَ يَسْتَحْضِرُ الحَاجُّ هَذِهِ المَعَانِيَ، يُدْرِكُ أَنَّ الحَجَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْتِقَالٍ بِالأَبْدَانِ، وَذَهَابٍ وَإِيَابٍ، بَلِ ارْتِقَاءٌ فِي مُعَامَلَةِ الخَالِقِ، وَانْضِبَاطٌ فِي السُّلُوكِ مَعَ الخَلْقِ، وَتَرْبِيَةٌ عَلَى الطَّاعَةِ فِي كُلِّ شَأْنٍ؛ فِي بَيْتِهِ وَمَعَ أَهْلِهِ، وَفِي تَعَامُلِهِ مَعَ النَّاسِ جَمِيعًا، فَكُلُّ مَا يُنَافِي المُرُوءَةَ، أَوْ يُخِلُّ بِالآدَابِ، أَوْ يَقْدَحُ فِي رُوحِ الطَّاعَةِ وَالتَّرَاحُمِ، فَهُوَ أَبْعَدُ مَا يَكُونُ عَنْ مَقَاصِدِ الحَجِّ وَفَضَائِلِهِ.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: حِينَ يَسْعَى الحَاجُّ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ يَسْتَشْعِرُ مَوْقِفَ أُمِّنَا هَاجَرَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَاسْتِذْكَارُ ذَلِكَ المَقَامِ يُحْيِي فِي نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ مَعَانِيَ جَلِيلَةً مِنَ الثِّقَةِ بِاللهِ، وَاليَقِينِ بِفَرَجِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى بَلَائِهِ، فَلَمَّا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا الضَّيْعَةَ، وَنَفِدَ زَادُهُمَا، قَامَتْ تَلْتَمِسُ الغَوْثَ مِنْ رَبِّهَا، تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ خَاضِعَةً خَائِفَةً مُضْطَرَّةً، تُظْهِرُ فَقْرَهَا إِلَى رَبِّهَا، وَتُفَوِّضُ أَمْرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَمَا زَالَتْ كَذَلِكَ حَتَّى كَشَفَ اللهُ كُرْبَتَهَا، وَآنَسَ غُرْبَتَهَا، وَفَرَّجَ شِدَّتَهَا، وَأَنْبَعَ لَهَا زَمْزَمَ: مَاءً مُبَارَكًا، طَعَامَ طُعْمٍ، وَشِفَاءَ سُقْمٍ، فَحَرِيٌّ بِالسَّاعِي أَنْ يَسْتَحْضِرَ وَهُوَ فِي تِلْكَ البُقْعَةِ فَقْرَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَذُلَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَحَاجَتَهُ إِلَى هِدَايَةِ قَلْبِهِ وَغُفْرَانِ ذَنْبِهِ؛ فَالسَّعْيُ تَذْكِيرٌ بِأَنَّ الفَرَجَ يُولَدُ مِنْ رَحِمِ الِافْتِقَارِ، وَأَنَّ العَطَاءَ يُسْتَدَرُّ بِصِدْقِ اللَّجَأِ؛ فَهَلْ يَلِيقُ بِالحَاجِّ أَنْ يَسْعَى بِقَدَمَيْهِ وَقَلْبُهُ لَاهٍ، أَوْ أَنْ يَمُرَّ بِالمَشَاعِرِ وَرُوحُهُ غَافِلَةٌ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: وَمِنْ مَقَاصِدِ الحَجِّ: الِانْقِيَادُ وَالإِذْعَانُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ؛ فَالحَاجُّ وَهُوَ يَطُوفُ فِي تِلْكَ المَشَاعِرِ، يَسْتَحْضِرُ مَوْقِفَ إِبْرَاهِيمَ u حِينَ أُمِرَ بِذَبْحِ فِلْذَةِ كَبِدِهِ، فَمَا تَرَدَّدَ وَلَا تَوَانَى، بَلْ أَذْعَنَ وَسَلَّمَ، وَإِسْمَاعِيلَ u الَّذِي قَابَلَ أَمْرَ رَبِّهِ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، وَفِي أَدَبٍ وَيَقِينٍ: {قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } [الصافات: 102]، فَكَانَ فِي هَذَا المَشْهَدِ العَظِيمِ دَرْسٌ خَالِدٌ فِي كَمَالِ الِاسْتِسْلَامِ للهِ، وَحُسْنِ التَّلَقِّي لِأَوَامِرِهِ.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَهُ الحَمْدُ الحَسَنُ وَالثَّنَاءُ الجَمِيلُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ وَرِضَاهُ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ.

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: وَمِنْ مَقَاصِدِ الحَجِّ: اسْتِشْعَارُ عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ لِبَنِي آدَمَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]، فَحِينَ هَمَّ الخَلِيلُ u  بِذَبْحِ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ u  امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِ، اعْتَرَضَهُ الشَّيْطَانُ يَثْنِيهِ وَيُثَبِّطُهُ، فَمَا كَانَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ u إِلَّا أَنْ رَمَاهُ، غَيْرَ آبِهٍ بِوَسْوَسَتِهِ، وَلَا مُلْتَفِتٍ إِلَى تَثْبِيطِهِ، حَتَّى مَضَى فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، فَأَضْجَعَ ابْنَهُ عَلَى جَبِينِهِ الْأَيْسَرِ، وَأَجْرَى السِّكِّينَ عَلَى عُنُقِهِ، فَجَاءَ الفَرَجُ مِنَ اللهِ تَعَالَى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [الصافات: 104، 105]، وَمِنْ هُنَا شُرِعَ رَمْيُ الجِمَارِ إِحْيَاءً لِذَلِكَ المَوْقِفِ، وَإِعْلَانًا دَائِمًا لِعَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ، وَتَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ؛ فَهُوَ يَغْتَاظُ حِينَ يَرَى المُؤْمِنِينَ يَرْجُمُونَ مَوَاضِعَ وَسْوَسَتِهِ، وَيُجَدِّدُونَ البَرَاءَةَ مِنْ سَبِيلِهِ، فَالعِبْرَةُ أَنْ تَرْمِيَ الجِمَارَ بِقَلْبٍ يَعْزِمُ عَلَى مُجَاهَدَةِ الشَّيْطَانِ، وَتَرْكِ وَسَاوِسِهِ، وَقَطْعِ طُرُقِهِ؛ فَكَمْ مِنْ رَامٍ لِلْجِمَارِ، لَمْ يَرْمِ شَهْوَتَهُ، وَلَمْ يَدْفَعْ وَسْوَسَتَهُ! أَفَرَجَمْنَا الشَّيْطَانَ فِي قُلُوبِنَا قَبْلَ أَنْ نَرْجُمَهُ بِأَيْدِينَا!

أُمَّةَ الإِسْلَامِ: حِينَ يَبِيتُ المَرْءُ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ فِي مِنًى، يَسْتَحْضِرُ مَوْقِفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَطُوفُ عَلَى القَبَائِلِ، يَلْتَمِسُ القُلُوبَ قَبْلَ الأَجْسَادِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَهْطٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ دَعْوَتَهُ، فَاسْتَجَابُوا مِنْ فَوْرِهِمْ، اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا كَانُوا نَوَاةَ قِيَامِ دَوْلَةِ الإِسْلَامِ، وَبَذْرَةَ انْتِشَارِهِ؛ لِنُدْرِكَ أَنَّ القُوَّةَ الحَقَّةَ لَيْسَتْ فِي كَثْرَةِ العَدَدِ، بَلْ فِي اجْتِمَاعِ القُلُوبِ وَصَفَائِهَا، وَوَحْدَتِهَا عَلَى مَنْهَجِهَا وَمَقْصِدِهَا؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 102، 103]. وَعَنْ أَبِي مُوسَى t عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ المُحَافَظَةَ عَلَيْهَا، وَعَدَمَ الإِسْرَافِ فِيهَا؛ فَالْمَاءُ وَالْكَهْرَبَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى العِبَادِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالِاقْتِصَادِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ، وَفِي فَصْلِ الصَّيْفِ يَزْدَادُ اسْتِهْلَاكُ هَذِهِ النِّعَمِ، فَعَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَتَنَبَّهَ  فِي اسْتِعْمَالِهَا، فَلَا يُسْرِفْ فِي تَشْغِيلِ الأَجْهِزَةِ، وَلَا يُهْدِرِ المِيَاهَ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلْيَتَّبِعِ التَّوْجِيهَاتِ مِنَ الْجِهَاتِ الْمَعْنِيَّةِ بِهَذَا الْخُصُوصِ، هَذَا وَإِنَّ التَّرْشِيدَ خُلُقٌ حَضَارِيٌّ، وَسُلُوكٌ إِسْلَامِيٌّ، يَدُلُّ عَلَى وَعْيِ الإِنْسَانِ وَحِرْصِهِ عَلَى المَصْلَحَةِ العَامَّةِ، وَمَنْ حَافَظَ عَلَى النِّعَمِ دَامَتْ لَهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.

اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ دِينَكَ وَكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ ﷺ وَعِبَادَكَ المُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَوَفِّقِ - اللَّهُمَّ - أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ أَعْمَالَهُمَا فِي طَاعَتِكَ وَرِضَاكَ، وَاجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.

لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة

الرقعي - قطاع المساجد - مبنى تدريب الأئمة والمؤذنين - الدور الثاني